بيت معلاBet Mäʿala

الفصل الرابع

بيت معلا في الأدبيات الأكاديمية الحديثة (2003)

تمثل بداية القرن الحادي والعشرين مرحلة جديدة في تاريخ تمثيل بيت معلا (Bet Mäʿala) داخل الأدبيات العلمية. فبعد ما يقرب من قرنين من ظهور الجماعة في كتب الرحلات والتقارير الإدارية والدراسات الإثنوغرافية، وصلت إلى مرحلة التوثيق الموسوعي المتخصص من خلال إدراجها في Encyclopaedia Aethiopica، وهي من أهم المشاريع الأكاديمية الدولية المخصصة لدراسة تاريخ وشعوب وثقافات إثيوبيا وإريتريا والقرن الأفريقي.

وتفصل بين مدخل الموسوعة هذا وآخر معالجة أكاديمية سابقة له — كتاب أندرو بول سنة 1954 — فجوة زمنية تقارب نصف قرن، لم يُعثر خلالها، في حدود المادة المتوافرة لهذا البحث، على دراسة أكاديمية مستقلة أخرى تناولت بيت معلا. ويُرجَّح أن يعكس ذلك عاملين متداخلين: أولهما تراجع الاهتمام الأكاديمي الغربي بدراسات القبائل الإثنوغرافية التفصيلية في العقود التالية لاستقلال دول القرن الأفريقي، حين تحول تركيز الباحثين نحو قضايا الدولة الحديثة والصراعات السياسية الكبرى على حساب التوثيق الإثنوغرافي الدقيق للجماعات الصغرى. وثانياً، محدودية الوصول الميداني إلى منطقة الساحل الإريترية وشرق السودان خلال هذه العقود بسبب الحرب الأهلية الإريترية (1961–1991) والنزاعات المسلحة في شرق السودان، وهو ظرف ميداني وثّقته الموسوعة ذاتها في إشارتها إلى تعرض قرى الجماعة للتدمير خلال حرب التحرير الإريترية. وتبقى هذه الفجوة الزمنية سؤالاً بحثياً مفتوحاً يستدعي تحرياً في الدوريات الإقليمية والتقارير الميدانية غير المنشورة على نطاق واسع من تلك الحقبة.

أولاً: الهوية والموقع والتاريخ السياسي

خصصت الموسوعة مدخلاً مستقلاً بعنوان Bet Mäʿala، وتخصيص مدخل مستقل في الأعمال الموسوعية المتخصصة لا يتم عادة إلا للجماعات التي يُنظر إليها باعتبارها موضوعات قائمة بذاتها تستحق المعالجة العلمية المنفردة. وتُعرِّف الموسوعة بيت معلا على أنها تقوم اليوم بوصفها مجموعة فرعية مستقلة ذاتياً من البني عامر، وهي صياغة تعكس وضعاً اجتماعياً وسياسياً مركباً لا يختزل الجماعة في إطار التبعية الكاملة ولا في إطار الانفصال المطلق. وفيما يخص الامتداد الجغرافي، تشير الموسوعة إلى وجود بيت معلا في منطقتين: منطقة الساحل (Səḥəl) في إريتريا، وشرق السودان في منطقة قرورة قرب بورتسودان، وهو توزيع يتوافق مع الصورة التي تعكسها الوثائق الإدارية السابقة ويوثق استمرار وجود الجماعة على جانبي الحدود السودانية–الإريترية حتى مطلع القرن الحادي والعشرين.

وتتناول الموسوعة مسألة الانضمام إلى اتحاد البني عامر مشيرةً إلى أن الجماعة انضمت نتيجة نزاعات داخلية وبغرض مقاومة جماعات الهدندوة الأقوى في شرق السودان، قبل أن تبلغ من الثروة والقوة ما مكّنها من اكتساب وضع سياسي مستقل والاعتراف بها ككيان إثني منفصل. وتجدر الإشارة إلى أن الموسوعة في هذا السرد لا تستند إلى وثيقة إدارية محددة، بل إلى تراكم الدراسات والمواد الإثنوغرافية والتقاليد التاريخية المحلية. ومن ثم فإن هذه الرواية تعكس الفهم الأكاديمي السائد لدى محرري الموسوعة لا شهادة أولية مستقلة، كما أن الموسوعة لا تحدد تاريخ هذا التحول بدقة، وهو ما يفرض الحذر عند توظيف هذه المعطيات في إعادة بناء التسلسل التاريخي.

ثانياً: البنية الاجتماعية والاقتصادية والوضع اللغوي

تتجاوز الموسوعة الجوانب التاريخية والسياسية لتقدم وصفاً للبنية الاجتماعية والاقتصادية للجماعة. فهي تشير إلى نمط الأسرة المنقسمة والقطيع المنقسم، حيث يتوزع أفراد الأسرة بين مناطق الزراعة ومناطق الرعي بحسب المواسم، وهو نمط يعكس التكيف مع بيئة حدودية تتقاطع فيها الموارد الزراعية والرعوية. وعلى الصعيد اللغوي، تنص الموسوعة على أن بيت معلا كانت في الأصل أحادية اللغة تتحدث تو-بداوية، ثم أصبحت اليوم ثنائية اللغة تتحدث التقري وتو-بداوية معاً، ومن أسباب ذلك — وفق الموسوعة — مجاورتها لقبائل الحباب الناطقة بالتقري في منطقة الساحل وانتماؤها إليها سياسياً واجتماعياً.

ويتقاطع هذا المعطى مع ما سجّله مونزينجر سنة 1864 حين أشار إلى أن الجماعة تتحدث الحاسة (Hassa)، أي التقري، ولم يذكر تو-بداوية إطلاقاً. ولحسم دلالة هذا التقاطع، يمكن طرح ثلاث فرضيات تفسيرية: الفرضية الأولى أن بيت معلا كانت في 1864 قد أتمت تحولها إلى التقري بالفعل، وأن تو-بداوية اندثرت لديها مؤقتاً أو كادت، لتُستعاد لاحقاً في مرحلة غير محددة قبل 2003 نتيجة تفاعل اجتماعي متجدد مع جماعات ناطقة بها. والفرضية الثانية أن الجماعة كانت في 1864 ثنائية اللغة بالفعل، لكن مونزينجر — بوصفه راصداً خارجياً يعتمد على مخبرين محليين — سجّل اللغة السائدة في التواصل الرسمي (التقري) دون أن يلحظ استمرار تو-بداوية في الاستخدام المنزلي أو الداخلي. والفرضية الثالثة أن مصطلح Hassa عند مونزينجر لا يُشير حصراً إلى التقري بل إلى لهجة تخاطب مشتركة سادت في منطقة الساحل تلك الحقبة، وهو استخدام مغاير لما استقر عليه الاصطلاح اللغوي في الأدبيات الأحدث.

وترجّح المعطيات المتوافرة الفرضية الثانية على غيرها؛ ذلك أن مونزينجر نفسه يذكر في السياق ذاته انتماء نصف بيت معلا إلى الحباب، وهو ما يعني تداخلاً اجتماعياً كثيفاً مع جماعة ناطقة بالتقري يجعل من المرجح أن يكون هذا التداخل قد طغى على رصده اللغوي دون أن يعني بالضرورة زوال تو-بداوية من الاستخدام الداخلي للجماعة. غير أن هذا الترجيح يظل استنتاجاً تحليلياً لا يقينياً، إذ لا يتوافر مصدر لغوي مستقل من القرن التاسع عشر يصف الوضع اللغوي لبيت معلا من الداخل، وهي فجوة تستدعي بحثاً لغوياً ميدانياً متخصصاً لا يدخل في نطاق هذه الدراسة.

ثالثاً: القيمة التحليلية للمدخل الموسوعي

يكشف مدخل بيت معلا في Encyclopaedia Aethiopica عن أكثر الصور الأكاديمية اكتمالاً للجماعة ضمن الفترة الزمنية التي تغطيها هذه الدراسة. وتكمن قيمته التحليلية في أمرين متمايزين: أولهما أنه يجمع نتائج عدد كبير من الدراسات المتخصصة في إطار واحد معتمد أكاديمياً، وثانيهما أنه يُقدم تركيباً يربط المعطيات التاريخية والجغرافية والاجتماعية واللغوية في منظومة متكاملة. ومع ذلك ينبغي التعامل مع الموسوعة بوصفها مصدراً تركيبياً ثانوياً لا مصدراً أولياً، إذ إن روايتها للتاريخ السياسي لبيت معلا مبنية على تفسير الأدبيات السابقة لا على وثائق جديدة. ومن منظور تاريخ المعرفة، يمكن النظر إلى هذا المدخل بوصفه نقطة وصول مؤقتة لمسار توثيقي مستمر، لا نقطة ختام نهائية — وهو وصف ينطبق على طبيعة الموسوعات الأكاديمية بوجه عام.