الفصل التمهيدي
بيت معلا في المصادر الإثيوبية الوسيطة (1445م)
قبل الانتقال إلى مرحلة التوثيق الأوروبي الحديث التي تبدأ بهنري سولت سنة 1814، تكشف المصادر الأولية الوسيطة عن إشارة وثائقية تعود إلى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، مما يُرجع التوثيق المكتوب لبيت معلا (Bet Mäʿala) إلى ما يزيد على ثلاثة قرون ونصف قبل أول ظهور موثق لها في الأدبيات الأوروبية الحديثة. وتتميز هذه الإشارة بأنها لا تُدرج الجماعة في قائمة قبائل عامة، بل تضعها في سياق سياسي وعسكري محدد ومؤطَّر تاريخياً بدقة.
أولاً: مصحف الميلاد ومعركة 1445م – المصدر الأولي
يُمثّل مخطوط مصحف الميلاد (Meshafe-Milad)، المنسوب إلى الإمبراطور الحبشي زارا يعقوب (Zara-Yaʿqob، حكم 1434–1468م)، مصدراً أولياً من الدرجة الأولى لتاريخ المنطقة في القرن الخامس عشر الميلادي. وتسجّل المخطوطة أحداث الحملة العسكرية التي خاضها زارا يعقوب ضد السلطنة الإسلامية الأدالية سنة 1445م، والتي انتهت بمقتل السلطان أحمد بدلاي (1432–1445م) في معركة جومبرتا.
وفي معرض سرد المخطوطة لاستعدادات السلطان أحمد بدلاي العسكرية، يرد النص الآتي دالاً على الامتداد الجغرافي للحشود التي جمّعها: من ديار بيت معلا (Me'ala) إلى مقديشو (Megdush)، جميعهم متحالفون مع أهل الأدال. ويكشف هذا النص عن عدة دلالات تاريخية جديرة بالملاحظة: فهو يُشير إلى أن بيت معلا كانت تقع في الطرف الشمالي الغربي للحلف الإسلامي المواجه للإمبراطورية الحبشية، في مقابل مقديشو التي تمثل الطرف الجنوبي الشرقي. كما أن الصيغة التعبيرية المستخدمة (من... إلى...) تعني أن بيت معلا كانت واحدة من أبرز الجماعات في هذا التحالف الواسع، بما يكفي لأن يُستشهد باسمها في سياق تأطير الامتداد الجغرافي للقوى المتحالفة.
ثانياً: التحقيق الأكاديمي الحديث للمصدر
أخضع المستشرق الألماني كورت فيندت (K. Wendt) نص مصحف الميلاد لتحقيق أكاديمي علمي دقيق، نشره سنة 1962م ضمن سلسلة Corpus Scriptorum Christianorum Orientalium (CSCO): Scriptores Aethiopici في لوفان، بلجيكا. وقد أتاح هذا التحقيق قراءة موثوقة للنص الأثيوبي الأصلي وترجمته إلى اللغات الحديثة.
وقد استند مؤرخو كامبريدج في The Cambridge History of Africa (المجلد الثالث: من نحو 1050 إلى نحو 1600م) إلى تحقيق فيندت للمصدر الأولي، وأوردوا في صفحة 155 التفسير الجغرافي الآتي: إن 'بيت معلا' (house of Me'ala) تعني على الأرجح Bait Mala في شمال إريتريا، أما Megdush فهي في الغالب إشارة إلى السلطنة الصومالية العربية في مقديشو.
وتحمل هذه الشهادة من كامبريدج قيمة تفسيرية، لأنها تُقدّم التماثل بين Me'ala في المصدر الأثيوبي الوسيط وBait Mala الإريترية بوصفه ترجيحاً جغرافياً مدعوماً بالسياق النصي، مستندةً إلى الموقع الجغرافي والتوافق اللغوي والسياق التاريخي معاً. ومع ذلك ينبغي التمييز المنهجي الدقيق بين المصدر الأولي (مصحف الميلاد، القرن الخامس عشر) والتفسير الأكاديمي الحديث (كامبريدج 2008)؛ فالأول هو الشاهد التاريخي المباشر، والثاني هو الاستنتاج العلمي المعاصر الذي يمنحه السلطة الأكاديمية.
ثالثاً: الدلالات التاريخية لهذا المصدر
ثمة ثلاثة معطيات تمنح هذه الإشارة وزناً توثيقياً في تاريخ دراسة بيت معلا. المعطى الأول هو الأسبقية الزمنية: فهذه الإشارة تسبق أول توثيق أوروبي حديث (سولت 1814) بما يزيد على 369 عاماً، مما يُشير إلى أن الجماعة كانت ذات حضور موثق منذ العصور الوسيطة. والمعطى الثاني هو طبيعة السياق: فبيت معلا لا تظهر هنا مجرد اسم ضمن قائمة قبائل، بل بوصفها طرفاً في تحالف سياسي وعسكري إقليمي واسع. والمعطى الثالث هو طبيعة المصدر ذاته: فمصحف الميلاد وثيقة ملكية حبشية معاصرة للأحداث، لا رواية لاحقة أو مصدر أوروبي يصف المنطقة من الخارج.
غير أن هذه الأهمية تستوجب في الوقت نفسه قدراً من الحذر المنهجي. فالتماثل بين Me'ala وBait Mala، وإن كان يستند إلى حجج جغرافية ولغوية قوية أكّدتها كامبريدج، يظل في نهاية المطاف استنتاجاً تفسيرياً قابلاً للنقاش. فضلاً عن ذلك، فإن الإشارة في المصحف لا تُقدّم بيت معلا موصوفةً بنفسها، بل تُستخدم اسمها علامةً جغرافية لتحديد نطاق الحشد العسكري. ومع ذلك، فإن هذا الحذر ينبغي أن يُقرأ مع ملاحظة مهمة يفصّلها الفصل الثالث من هذا البحث: إذ يورد الباحث الإيطالي كارلو كونتي روسيني (1914) شهادة مستقلة عن حدث 1445 نفسه، مستنداً إلى مصادر حبشية غير التي اعتمدها فيندت في تحقيقه لمصحف الميلاد (1962)، مما يمنح الحدث التاريخي المشار إليه سنداً مزدوجاً من تقليدين تحقيقيين مستقلين.
رابعاً: الأثر على الإطار الزمني للدراسة
يستوجب اكتشاف هذا المصدر إعادة صياغة الإطار الزمني للدراسة ليبدأ من عام 1445م بدلاً من عام 1814م. ويعني ذلك أن الفترة المدروسة تمتد على ما يزيد على خمسة قرون ونصف، وأن السجل المكتوب لبيت معلا يُمكن تقسيمه إلى مرحلتين كبيرتين: المرحلة الوسيطة (1445م) التي تمثلها الوثيقة الملكية الحبشية وتفسيراتها الأكاديمية الحديثة، والمرحلة الحديثة والمعاصرة (1814–2003م) التي تمثلها المصادر الأوروبية والإدارية والأكاديمية التي يتناولها بقية البحث. وقد أُجري بحث في المصادر العثمانية المتعلقة بساحل البحر الأحمر، والمصادر البرتغالية للقرن السادس عشر، وأعمال الرحالة البريطاني جيمس بروس (1768–1773) الذي سبق سولت بأربعة عقود، إلا أن هذا البحث لم يُسفر عن إشارات صريحة لبيت معلا بالاسم يمكن التحقق منها. وتبقى الفترة الممتدة بين 1445 و1814 مجالاً مفتوحاً للبحث المستقبلي.