بيت معلاBet Mäʿala

الفصل الأول

بيت معلا في المصادر الأوروبية المبكرة (1814–1867)

يمتد التوثيق الأوروبي المبكر لبيت معلا (Bet Mäʿala) على خمسة عقود تقريباً، تبدأ بأعمال هنري سولت سنة 1814 وتنتهي بدراسة فيرنر مونزينجر الميدانية سنة 1864. وقد ارتبط هذا التوثيق بالاهتمام المتزايد الذي أبداه الرحالة والمستكشفون والباحثون الأوروبيون بمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر وما تلاها، وهي فترة شهدت توسع النشاط الدبلوماسي والتجاري والعلمي الأوروبي في المنطقة.

وتتميز هذه المرحلة بسمة منهجية مزدوجة: من جهة، تتضمن أقدم الشهادات المكتوبة المعروفة التي ورد فيها اسم بيت معلا في الأدبيات الأوروبية؛ ومن جهة أخرى، تكشف عن نمطين مختلفين من الإشارة إلى الجماعة: إشارات مستقلة مستندة إلى ملاحظة ميدانية مباشرة، وإشارات مشتقة تعتمد على معلومات سبق نشرها. ويستوجب هذا التمييز عناية منهجية عند تقييم قيمة كل مصدر.

أولاً: شهادة هنري سولت (1814)

تمثل أعمال الرحالة والدبلوماسي البريطاني هنري سولت نقطة البداية في التوثيق الأوروبي المعروف لبيت معلا. ففي كتابه A Voyage to Abyssinia المنشور سنة 1814، أورد سولت اسم بيت معلا ضمن مجموعة القبائل التي وصفها بأنها تندرج تحت التسمية العامة للأدارب (Adareb)، وهي الجماعات التي كانت تنتشر في المناطق الواقعة بين سواكن والحدود الحبشية.

وتكمن أهمية هذه الإشارة في أنها لا تقدم مجرد ذكر عابر للاسم، بل تضع بيت معلا ضمن إطار جغرافي واجتماعي محدد. فالجماعة تظهر هنا باعتبارها إحدى الوحدات القبلية المعروفة لدى السكان المحليين، والتي استطاع الرحالة جمع معلومات عنها أثناء رحلته في المنطقة. ومع أن سولت لم يقدم وصفاً تفصيلياً للبنية الاجتماعية أو السياسية لبيت معلا، فإن مجرد إدراجها ضمن قائمة القبائل المعروفة آنذاك يمثل دليلاً على وجودها الموثق في مطلع القرن التاسع عشر. ومن الناحية المنهجية، تعكس هذه الإشارة طبيعة أدب الرحلات في عصره، حيث كان الهدف الرئيس يتمثل في جمع أوصاف جغرافية وإثنوغرافية عامة، ومن ثم فإن قيمة النص تكمن أساساً في توثيق الاسم وموقعه ضمن الخريطة القبلية للمنطقة.

ثانياً: المصادر المشتقة – مور وبريتشارد وفاتر (1834–1847)

خلال العقود التالية لسولت أعاد عدد من المؤلفين الأوروبيين تداول معلوماته في سياقات معرفية مختلفة. فكتاب Edward Moor الصادر سنة 1834 أورد اسم بيت معلا ضمن قائمة القبائل نفسها التي ذكرها سولت، وتُشير المقارنة النصية بين العملين إلى اعتماد مور بصورة واضحة على سولت. أما كتاب Researches into the Physical History of Mankind لجيمس كاولز بريتشارد (1836) فقد أورد بيت معلا ضمن قائمة القبائل الحاملة لتسمية الأدارب في الصفحة 185، مُصرِّحاً باعتماده على سولت، وإن كان قد أعاد توظيف مادته ضمن مشروع إثنوغرافي مقارن يختلف في أهدافه عن أدب الرحلات. وعلى المنوال ذاته، أشار يوهان زيفيرين فاتر (1847) صراحةً إلى اعتماده على سولت في عمله الببليوغرافي المخصص لحصر شعوب العالم ولغاته.

ومن الناحية المنهجية، لا تمثل هذه الأعمال الثلاثة شهادات مستقلة بل تعكس إعادة تداول معلومة أصلية واحدة عبر سياقات معرفية متنوعة — من أدب الرحلات إلى الإثنوغرافيا المقارنة فالببليوغرافيا اللغوية. وتكمن قيمتها التاريخية لا في تعدد الشهادات، بل في إظهار مسار انتشار اسم بيت معلا داخل المعرفة الأوروبية المتداولة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

ثالثاً: شهادة مونزينجر – مصدر مستقل وميداني (1864)

يمثل كتاب Ostafrikanische Studien (دراسات شرق أفريقية) للباحث السويسري فيرنر مونزينجر الصادر في شافهاوزن سنة 1864 إضافة ذات قيمة إلى المصادر الأوروبية المتعلقة ببيت معلا. وتنبع أهمية هذا المصدر من عاملين رئيسيين: أولهما أنه يستند إلى ملاحظة ميدانية مباشرة لا إلى نقل معلومات سابقة، وثانيهما أنه يقدم معطيات جغرافية ولغوية واجتماعية تفصيلية لم ترد في المصادر الأوروبية المبكرة.

وفي الفصل المخصص لقبائل البني عامر (Ueber die Beni Amer)، يُورد مونزينجر النص الآتي: Die Beit M'ale und die Aflenda im Söhel sprechen auch nur Hassa; die letztern haben wir unter dem Namen Warea schon im Samhar gefunden; die erstern gehören zur Hälfte den Habab an; beide leben nördlich vom Lande der Habab, die Beit M'ale in der Nähe des Hager Nageran. ويمكن ترجمته على النحو الآتي: بيت معلا والأفليندا في الساحل يتحدثون لغة الحاسة (التقري) فقط؛ والأفليندا وجدناهم سابقاً في إقليم السمهار تحت اسم واريا؛ أما بيت معلا فينتمون في نصفهم إلى الحباب؛ وكلاهما يعيشان شمال أرض الحباب، وتقع بيت معلا بالقرب من هجر ناجران.

وتحمل هذه الشهادة عدة دلالات تحليلية. أولاً، تحدد مونزينجر بدقة الموقع الجغرافي لبيت معلا في منطقة الساحل الإريتري (Söhel/Səḥəl)، شمال أرض الحباب، وفي مجاورة هجر ناجران. وثانياً، يُشير إلى أن لغة الجماعة هي الحاسة (Hassa)، وهو المصطلح الذي استخدمه مونزينجر للإشارة إلى لغة التقري (Təgre). ويُقرأ هذا المعطى في ضوء ما أوردته الموسوعة الإثيوبية (2003) من أن بيت معلا كانت في الأصل أحادية اللغة تتحدث تو-بداوية، وأنها أصبحت اليوم ثنائية اللغة تتحدث التقري وتو-بداوية معاً، ومن أسباب ذلك — وفق الموسوعة — انتماؤها الاجتماعي والسياسي إلى قبائل الحباب الناطقة بالتقري في منطقة الساحل. غير أن الموسوعة لا تحدد الحقبة الزمنية التي جرى فيها اكتساب التقري، وهو ما يجعل تسجيل مونزينجر سنة 1864 قرينةً وثائقية على أن التقري كانت متداولة لدى الجماعة في منتصف القرن التاسع عشر على أقل تقدير، دون أن يمكن الجزم بما إذا كانت قد حلّت محل تو-بداوية أم تعايشت معها في تلك المرحلة بعينها. وثالثاً، يُشير إلى أن نصف بيت معلا ينتمي إلى الحباب، وهي معطى لم يرد بهذه الصراحة في أي من المصادر السابقة. وينبغي هنا الحذر المنهجي المعتاد: فعبارة ينتمون في نصفهم إلى الحباب قد تعكس واقعاً تنظيمياً أو اجتماعياً أو نسبياً، غير أن النص لا يوضح طبيعة هذا الانتماء بدقة كافية.

ويختلف مصدر مونزينجر عن المصادر الثلاثة السابقة (مور، وبريتشارد، وفاتر) اختلافاً جوهرياً في درجة استقلاليته. فهو لا يستند إلى سولت ولا يعيد تدوير معلوماته، بل يقدم شهادة ميدانية مباشرة مستقاة من الإقامة الطويلة في المنطقة والتواصل مع السكان المحليين. ولذلك يُمثل مونزينجر أول مصدر أوروبي مستقل تماماً بعد سولت في ما يتعلق ببيت معلا، كما يملأ الفجوة الزمنية بين الأدبيات المبكرة (1847) والوثائق الإدارية (1890).

رابعاً: إعادة تفسير شهادة مونزينجر في ضوء الوثائق الإدارية اللاحقة

تستحق عبارة مونزينجر المتعلقة بانتماء نصف بيت معلا إلى الحباب وقفة تفسيرية عند مقارنتها بالوثائق الإدارية الصادرة خلال القرن العشرين، إذ تسمح هذه المقارنة بإعادة قراءة العبارة في سياقها التاريخي والحقوقي بدلاً من الاكتفاء بالتفسير اللغوي المجرد.

فقد أتاحت أطروحة أرون أندميكائيل هابتزيون (2022) الوصول إلى عدد من الوثائق الإدارية الإيطالية والبريطانية المتعلقة بنظام بيت أسغادي الأرستقراطي في إقليم الحباب، وهي وثائق تلقي ضوءاً كاشفاً على طبيعة العلاقة بين بيت معلا والجماعات المحيطة بها.

فقد أظهر «بيان قبيلة الحباب» الصادر في 7 مارس 1924 برعاية الوالي الإيطالي الدكتور غاسباريني أن شيوخ وأعيان بيت معلا وقبيلة الرشايدة شاركوا ضمن الأطراف الحاضرة في الإقليم، إلا أن الالتزامات العرفية والضرائب والهدايا التقليدية فُرضت على قبائل التغري التابعة للنظام الإقطاعي لبيت أسغادي، دون أن تشمل بيت معلا أو الرشايدة. ويشير هذا التمييز الصريح إلى أن الوجود الجغرافي لبيت معلا داخل مجال الحباب لم يكن مقروناً بخضوعها للواجبات التقليدية المفروضة على قبائل التغري التابعة.

ويتعزز هذا الاستنتاج من خلال وثائق الإدارة العسكرية البريطانية لسنة 1945 الخاصة بنزاع الشوماجلي–التغري، إذ طالبت قبائل التغري بأن تُعامل معاملة العشائر المستقلة الأخرى ومنها بيت معلا والرشايدة وعد شيخ وشورة. وتُشير الوثائق صراحةً إلى أن هذه الجماعات كانت تستغل أراضي تقع ضمن نطاق بيت أسغادي، لكنها «لا تدفع مستحقات للحباب، وإنما للحكومة فقط».

وتُظهر الوثائق الإدارية اللاحقة أن بيت معلا ارتبطت مباشرة بالسلطة الحكومية دون وساطة أرستقراطية الحباب، وهو سياق يساعد على قراءة عبارة مونزينجر في إطار جغرافي وتنظيمي. ويمثل هذا التقاطع بين مصادر متباعدة زمنياً نموذجاً تطبيقياً للتفسير السياقي المتقاطع.

خامساً: بيت معلا في المصادر الكارتوغرافية (1864–1867)

تُعد الخرائط التاريخية مصادر وثائقية مستقلة، لأنها تُجسّد توزيعاً جغرافياً موثقاً يكمّل الوصف النصي ويُضفي عليه بُعداً مكانياً ملموساً. وتتوافر في حوزة الدراسة خريطتان تاريخيتان مستقلتان من ستينيات القرن التاسع عشر يظهر فيهما اسم بيت معلا بصورة واضحة.

أ. خريطة مونزينجر (1864)

الخريطة الأصلية المرفقة بكتاب Ostafrikanische Studien بعنوان: Originalkarte von Nord-Abessinien und den Ländern am Mareb, Barka & Anseba، صادرة عن دار Gotha: Justus Perthes سنة 1864. وتُظهر الخريطة اسم BEIT-MALE بوصفه اسماً إقليمياً مستقلاً، فضلاً عن إشارة صريحة إلى Gebirge von Beit-Male (جبال بيت معلا). ومن الدلالات الجغرافية المهمة ورود الإشارة إلى Altes Kloster Agere Nageran (zerstört) أي الدير القديم لهجر ناجران المدمَّر، وهو نفس هجر ناجران الذي ذكره مونزينجر في نصه المكتوب. كما يظهر اسم AZ-AFLENDA شمالاً، وهو الأفليندا الذي ذُكر مقترناً ببيت معلا في النص.

Munzinger's original map: Originalkarte von Nord-Abessinien und den Ländern am Mareb, Barka & Anseba (Gotha: Justus Perthes, 1864).
شكل 1. خريطة مونزينجر الكاملة – Originalkarte von Nord-Abessinien (1864). يظهر اسم BEIT-MALE في الجزء الأيمن الأوسط من الخريطة.Munzinger's original map: Originalkarte von Nord-Abessinien und den Ländern am Mareb, Barka & Anseba (Gotha: Justus Perthes, 1864).
Detail from Munzinger's map showing BEIT-MALE, Gebirge von Beit-Male, Altes Kloster Agere Nageran, and Hager Sitze von BEIT-AUET.
شكل 2. تكبير من خريطة مونزينجر (1864) يُظهر: BEIT-MALE (اسم إقليمي مستقل)، وGebirge von Beit-Male (جبال بيت معلا)، وAltes Kloster Agere Nageran zerstört (دير هجر ناجران المدمَّر)، وHager Sitze von BEIT-AUET، وAZ-AFLENDA شمالاً.Detail from Munzinger's map showing BEIT-MALE, Gebirge von Beit-Male, Altes Kloster Agere Nageran, and Hager Sitze von BEIT-AUET.

ب. خريطة هويغلين (1867)

الخريطة المرفقة بكتاب Reise nach Abessinien للمستكشف الألماني M. Th. von Heuglin بعنوان: Karte von Aethiopien (Habes, Takah & Ost-Senar)، صادرة عن Jena: Hermann Costenoble سنة 1867. وهويغلين باحث مستقل تماماً عن مونزينجر، أجرى رحلاته الميدانية في المنطقة خلال الفترة ذاتها تقريباً. وتُظهر الخريطة اسم Maalḥa في المنطقة الجبلية جنوب غرب سواكن وجنوب توكر، وهو ما يُحدد الامتداد الجغرافي لبيت معلا في الجانب السوداني من الحدود.

Heuglin's map: Karte von Aethiopien (Habes, Takah & Ost-Senar) (Jena: Hermann Costenoble, 1867).
شكل 3. خريطة هويغلين الكاملة – Karte von Aethiopien (Habes, Takah & Ost-Senar) (1867). يظهر اسم Maalḥa في الجزء الأوسط من الخريطة.Heuglin's map: Karte von Aethiopien (Habes, Takah & Ost-Senar) (Jena: Hermann Costenoble, 1867).
Detail from Heuglin's map showing Maalḥa south-west of Suakin.
شكل 4. تكبير من خريطة هويغلين يُظهر اسم Maalḥa جنوب غرب سواكن، في منطقة جبلية بالقرب من Geb. Zaqad (جبال زقاد).Detail from Heuglin's map showing Maalḥa south-west of Suakin.

ج. الدلالة المنهجية للمصدرين الكارتوغرافيين

يحمل التقاطع بين هذين المصدرين الكارتوغرافيين المستقلين دلالة منهجية لثلاثة أسباب. أولاً، يُشير إلى أن بيت معلا لم تكن مجرد اسم قبيلة متداول في الأدبيات الوصفية، بل منطقة جغرافية ذات ملامح محددة (جبال، مستوطنات، حدود إقليمية) رصدها باحثان مستقلان في الحقبة ذاتها. وثانياً، تتكامل الخريطتان في رسم صورة جغرافية أشمل: فخريطة مونزينجر تُظهر بيت معلا في الجانب الإريتري (منطقة الساحل)، في حين تُظهر خريطة هويغلين امتدادها في الجانب السوداني (جنوب سواكن)، وهو ما يتوافق مع ما أشارت إليه Encyclopaedia Aethiopica (2003) من وجود الجماعة على جانبي الحدود السودانية–الإريترية. وثالثاً، يعكس التنوع في ضبط الاسم (BEIT-MALE عند مونزينجر، وMaalḥa عند هويغلين) الاختلاف في طرق النقل الصوتي بين الباحثين لا غموضاً في هوية الجماعة.

خلاصة الفصل الأول

تكشف المصادر الأوروبية بين 1814 و1864 عن نمطين متمايزين في توثيق بيت معلا: نمط الشهادات المشتقة التي تعيد تداول معلومات سولت (مور 1834، بريتشارد 1836، فاتر 1847)، ونمط الشهادات المستقلة التي تقدم معلومات ميدانية أصلية (سولت 1814، مونزينجر 1864). ويُضاف إلى هذه المصادر النصية بُعد كارتوغرافي مستقل يتجلى في خريطتي مونزينجر وهويغلين، اللتين تُثبتان معاً أن بيت معلا كانت منطقة جغرافية ذات حضور موثق على جانبي الحدود السودانية–الإريترية منذ ستينيات القرن التاسع عشر.