بيت معلاBet Mäʿala

الفصل الثالث

بيت معلا في التوثيق الإثنوغرافي والأنثروبولوجي (1910–1954)

يمثل النصف الأول من القرن العشرين مرحلة جديدة في تاريخ حضور بيت معلا (Bet Mäʿala) داخل الأدبيات العلمية. فبعد أن ارتبط ذكر الجماعة خلال القرن التاسع عشر أساساً بأدب الرحلات والوثائق الإدارية، بدأت تظهر في أعمال إثنوغرافية وأنثروبولوجية أكثر تخصصاً سعت إلى دراسة المجتمعات المحلية من الداخل. وقد تزامن هذا التحول مع تطور العلوم الاجتماعية والإنسانية في أوروبا وأمريكا الشمالية، وازدياد الاهتمام الأكاديمي بمجتمعات القرن الأفريقي.

أولاً: بيت معلا في منشورات بعثة برينستون (1910)

تمثل منشورات بعثة جامعة برينستون إلى الحبشة (Publications of the Princeton Expedition to Abyssinia) إحدى أهم المشاريع العلمية التي أُنجزت في القرن الأفريقي خلال مطلع القرن العشرين. وكان من أبرز المشاركين فيها المستشرق الألماني إينو ليتمان (Enno Littmann)، الذي خصص قسماً مستقلاً يحمل عنوان: Lieder der Bet-Ma'ala und Bet-Ba'ashsho (أغاني بيت معلا وبيت بعشو)، يمتد على عدد كبير من الصفحات ويتضمن نصوصاً شعرية وأغاني شعبية جُمعت ميدانياً خلال أعمال البعثة بين عامي 1905 و1906.

ومن الناحية المنهجية، يمثل هذا المصدر تحولاً جوهرياً في طبيعة المعلومات المتوافرة عن بيت معلا. فالمصادر السابقة كانت تركز على التصنيف أو الإدارة أو الجغرافيا، بينما يقدم ليتمان مادة تنتمي إلى التراث الشفهي للجماعة نفسها. كما أن تخصيص عنوان مستقل باسم بيت معلا يُشير إلى أن الجماعة كانت معروفة للباحثين الميدانيين بوصفها جماعة متميزة.

وتجدر الإشارة إلى أن الأغاني والنصوص الشعرية لا تقدم معلومات تاريخية مباشرة بالضرورة، وأن اختيار المواد المنشورة خضع لرؤية الباحث واهتماماته العلمية. ولذلك فإن قيمة هذه المادة تكمن أساساً في إثبات وجود تقليد ثقافي موثق مرتبط بالجماعة، أكثر من استخدامها مصدراً لإعادة بناء تاريخها السياسي.

وفي السياق المنهجي الأشمل، يمثل عمل ليتمان تحولاً في طبيعة الاهتمام الأكاديمي بالجماعات المحلية في القرن الأفريقي: فبينما نظر الرحالة الأوائل إلى هذه الجماعات من الخارج بوصفها وحدات للتصنيف الجغرافي، سعى ليتمان إلى توثيق ما تنتجه الجماعة ذاتها من أشكال تعبيرية. وهذا التحول في زاوية النظر يعكس تطوراً أوسع في العلوم الإنسانية الأوروبية في مطلع القرن العشرين، حين بدأ الاهتمام ينتقل من وصف الشعوب إلى الاستماع إليها.

ثانياً: بيت معلا في الدراسات الأنثروبولوجية البريطانية – نادل (1945)

شهدت أربعينيات القرن العشرين تطوراً إضافياً في المعرفة الأكاديمية المتعلقة بالمجتمعات المحلية في إريتريا وشرق السودان. ومن أبرز الأعمال التي تمثل هذه المرحلة دراسة عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية س. ف. نادل (S. F. Nadel) المعنونة Notes on Beni Amer Society والمنشورة في مجلة Sudan Notes and Records سنة 1945.

وفي معرض وصفه للبيئة الاجتماعية المحيطة بالبني عامر الإريتريين، أورد نادل بيت معلا في موضعين متباعدين من دراسته. ففي الصفحة 53 ذكرها ضمن الجماعات الرحّالة في منطقتي كرن ونقفا إلى جانب الحباب وآد شيخ وماريا، وهو توصيف يضعها في سياق البيئة الاجتماعية للمنطقة. أما الصفحة 96 فتقدم معلومات أكثر تفصيلاً عن الجماعة ذاتها من حيث اقتصادها ونسبها وتاريخها.

وفيما يخص الجانب الاقتصادي، يُشير نادل إلى أن بيت معلا لم تمارس زراعة الأرض إلا بعد أن أقبلت على زراعة القطن، وهو ما يعكس نمطاً رعوياً أصيلاً تحول تدريجياً نحو الزراعة في مرحلة لاحقة. وفيما يخص النسب، يسجّل نادل أن الجماعة تنسب نفسها إلى حسن بن علي.

والأبرز في هذا الموضع أن نادل يستند إلى الوثائق الحبشية (مستشهداً بروسيني، Studi, p. 367) في الإشارة إلى أن بيت معلا كانت قبيلة قوية جداً في منتصف القرن الخامس عشر، وأن المسلمين سلحوها لمحاربة الملك المسيحي زارا يعقوب، وأنها جُمعت من مناطق بعيدة جنوباً حتى مقديشو — وهي رواية تتقاطع مباشرة مع ما ورد في مصحف الميلاد الذي يُشكّل الفصل التمهيدي من هذا البحث. ويُشير نادل كذلك إلى الرواية التقليدية المتعلقة بأصل التسمية، إذ يذكر أن الجماعة اجتمعت تحت قيادة محمد شريف الذي قدم وحده من مكة إلى أدوبانا، ومن ابنه معلا اشتق الاسم. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية تراثية شفهية سجّلها نادل بوصفها ما تقوله الجماعة عن نفسها، لا وثيقة تاريخية يمكن التحقق من مضمونها.

وتكتسب مقارنة روسيني بمصحف الميلاد قيمة منهجية مضاعفة، إذ إن روسيني مصدر إيطالي أكاديمي مستقل تماماً عن التحقيق الألماني لفيندت (1962) الذي اعتمد عليه هذا البحث في الفصل التمهيدي، وسابقٌ عليه بما يقرب من نصف قرن (1914 مقابل 1962). ومن ثم فإن تأكيد روسيني لقوة بيت معلا في منتصف القرن الخامس عشر وتسليحها لمحاربة زارا يعقوب يُشكّل شاهداً ثانياً مستقلاً يُعزز موثوقية الحدث الوارد في مصحف الميلاد، لا مجرد تكرار لمصدر واحد.

أما التعارض الظاهري بين الروايتين — كون بيت معلا كياناً قائماً باسمه في وثيقة 1445 من جهة، وكون الاسم نفسه قد اشتُق لاحقاً من شخص يُدعى معلا وفق الرواية الشفهية من جهة أخرى — فينبغي تناوله في ضوء ما تُبيّنه الدراسات الأنثروبولوجية لأنماط روايات التأسيس القبلي (eponymous ancestor narratives) الشائعة في شرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. فمثل هذه الروايات لا تُصاغ عادة بوصفها تسجيلاً تاريخياً لواقعة ولادة الاسم، بل بوصفها أداة اجتماعية لتثبيت الهوية الجماعية والنسب المشترك في زمن لاحق لنشأة الجماعة، وغالباً ما تُبنى بأثر رجعي لتفسير اسم قائم بالفعل لا لإحداثه. وبناءً على هذا الإطار، فإن رواية محمد شريف وابنه معلا تُعنى على الأرجح بتأصيل النسب والقيادة الدينية للجماعة لا بتأريخ ظهور اسمها في السجل المكتوب، وهو ما يُبقي على قيمة مصحف الميلاد بوصفه الشاهد الأقدم على وجود الاسم، دون أن يُبطل الرواية الشفهية من حيث وظيفتها الاجتماعية في تفسير النسب. وهذا تمييز منهجي يوصي هذا البحث بمراعاته عند أي محاولة مستقبلية للتوفيق بين المصدرين، ويُحذّر من التعامل مع الرواية الشفهية بوصفها بديلاً تنافسياً عن الوثيقة المكتوبة بدلاً من كونها نصاً من طبيعة مختلفة تماماً.

يذكر نادل بيت معلا ضمن الجماعات المجاورة للبني عامر لا الجماعات التابعة لهم، إلى جانب الحباب وماريا وآد شيخ، وهو توصيف يضعها في سياق البيئة الاجتماعية لإقليم كرن والمناطق المجاورة.

ثالثاً: بيت معلا في كتاب أندرو بول (1954)

يتضمن كتاب A History of the Beja Tribes of the Sudan لأندرو بول الصادر عام 1954 إشارتين مباشرتين إلى بيت معلا تكملان بعضهما وتُضيفان بُعدين متمايزين: الأول إداري يتعلق بوضع الجماعة داخل النظارة، والثاني تاريخي يمتد إلى نقوش ما قبل الإسلام.

ففي هامش الصفحة السابعة عشرة، يُورد بول ملاحظة تحليلية حول طبيعة اتحاد البني عامر، إذ يصفه بأنه ليس قبيلة بالمعنى الصارم بل تجمعاً مرناً من مجموعات ذات أصول متباينة. وضمن هذا السياق، يذكر بول أن بيت معلا — إلى جانب الأفلندا وأجايجا — من المجموعات التي انضمت إلى النظارة منذ عام 1900م، واصفاً إياها بأنها إضافات حديثة (recent accretions). ويُشير هذا الوصف إلى أن انتماء بيت معلا إلى منظومة البني عامر لم يكن قديماً راسخاً بل طرأ في مرحلة لاحقة، وهو ما يتوافق مع ما أوردته الموسوعة الإثيوبية (2003) من أن الجماعة اكتسبت وضعاً مستقلاً داخل الاتحاد في مرحلة لاحقة.

أما في متن الصفحة الرابعة والأربعين، فيُقدّم بول ملاحظة ذات طابع لغوي وأثري تتعلق ببطن من بطون بيت معلا يُعرف بـ«عد ألما» (Ad Alma)، وهو مصطلح يعني بلغة التقري «شعب التمساح». ويلاحظ بول أن هذا الاسم يُقارب لفظاً اسم «الأتالمو» (Atalmo) الواردة في نقش أدوليس الأثري الذي يُرجَّح أنه يعود إلى أواخر القرن الثالث أو مطلع القرن الثاني قبل الميلاد، ويُسجِّل فيه ملك أكسومي حملاته على الشعوب المجاورة. وتجدر الإشارة إلى أن بول يطرح هذه المقارنة بوصفها تشابهاً لغوياً محتملاً (approximates) لا تماهياً قاطعاً، وهو تحفظ منهجي يُحسب له. وإذا صحّ هذا التقارب، فإنه يفتح احتمالاً بحثياً بأن لبيت معلا أو بعض بطونها جذوراً في المنطقة تمتد إلى ما قبل الإسلام، غير أن ذلك يبقى في نطاق الفرضية التي تستدعي دراسة مستقلة.

خلاصة الفصل الثالث

تكشف المصادر الإثنوغرافية والأنثروبولوجية بين 1910 و1954 عن مرحلة جديدة في تمثيل بيت معلا داخل الأدبيات العلمية. فقد وفّر عمل إينو ليتمان من أوائل التوثيقات المعروفة للتراث الشفهي المرتبط بالجماعة، وقدمت دراسة نادل وصفاً لموقعها ضمن الخريطة الاجتماعية للمنطقة، فيما أضاف أندرو بول بُعدين إداريا وأثريا جديدين: وضعها كإضافة حديثة للنظارة، واحتمال امتداد جذور أحد بطونها إلى نقوش أكسومية ما قبل الإسلام. وتدل هذه المصادر مجتمعة على انتقال المعرفة المتعلقة ببيت معلا من المجال الإداري إلى المجال الأكاديمي المتخصص، وتمهد للمرحلة اللاحقة التي ستشهد إدراج بيت معلا ضمن الموسوعات الأكاديمية المرجعية في مطلع القرن الحادي والعشرين.